مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
276
موسوعه أصول الفقه المقارن
لا يقول به أحد من المسلمين « 1 » ، ومردود بالإجماع « 2 » . وجاء عن القرافي : « قال التبريزي : الكلام في صحة الاستحسان وفساده ينبني على فهم حقيقته ، والسابق إلى الذهن منه هو هجوم العقل على الحكم بحسن الشيء من غير دليل ، فإنّ مقتضى الأدلَّة كلّها مستحسنة ، فلابدَّ للتخصيص من تمييز ، وعلى هذا لا يخفى فساده ؛ لأنّه شرع بغير دليل . ولهذا قال الشافعي : « من استحسن فقد شرَّع » وقيل في حدّه : إنّه دليل في نفس المجتهد لا تساعده عليه العبارة . وهو أيضاً بهذا التفسير باطل ؛ فانّ جميع الأدلّة يمكن التعبير عنها ، وما عدا ذلك فهو خيال فاسد » « 3 » . إذن ، بعض من أهل السنّة قالوا بالاستحسان ، ولم يكن هناك إجماع فيه ، وقد نسب لبعض رجوعه عن القول به ، كما نلاحظ ذلك في كلمات ابن حزم عن مالك ، هذا مضافاً إلى الاختلاف في تعريفه وبيان المراد منه ، فإنّه شرعي على بعض معانيه وتعاريفه ، حيث ترجعه إلى أدلَّة خاصَّة ومحدَّدة ، وغير شرعي على بعضها الآخر ، وبالإمكان تأويل كلمات القائلين به إلى المشروع منه ، كما فعل ذلك بعض متأخريهم ، وحقيقة الاختلاف تعود إلى عدم تحديد ماهيته . أدلَّة القائلين بالاستحسان ذكرت أربعة أدلة على الاستحسان ، هي من القرآن والسنّة والإجماع والعقل . الكتاب أمَّا أدلتهم من الكتاب ، فالآية الكريمة : « الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » « 4 » . والآية الكريمة : « وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ » « 5 » . تقريب الاستدلال : الاستحسان : هو اتّباع الأحسن والأخذ بالأحسن ، وهو ما تفيده الآيتان سالفة الذكر ، فالآية الأولى تمتدح الذين يتبعون الأحسن من الأقوال ، وهذا يعني إضفاء شرعية وحجّية على اتّباع أحسن الأقوال « 6 » . والآية الأخرى تطلب من المسلمين اتّباع الأحسن ممَّا أنزل إليهم ، فلابدَّ وأن يكون الأحسن حجّة لتأمر به « 7 » . لكن الآيتين لاتمتّان إلى الاستحسان بصلة تفسيراً أو مجاراة . والآية الأولى استعملت لفظ ( الأحسن ) في مفهومه اللغوي ، الذي لا علاقة له بالمعنى الاصطلاحي ، مع أنَّ المعنى الاصطلاحي مختلف فيه ، ولا جامع بينهما لكي يحمل عليه « 8 » . كما أنَّها تتضمَّن الأخذ بالأحسن دون المستحسن ، والأحسن هو ما جاء في الكتاب والسنّة لا غيرهما « 9 » ، أي أنَّ الأحسن مقيَّد بما هو منزَّل « 10 » ، أو مأمور به « 11 » ، لا مطلقاً ، ولو كان مطلقاً لزم اتّباع استحسان العامي والطفل والمعتوه كذلك « 12 » . أمَّا الاستدلال بالآية الثانية ، فيرد عليه ما يرد
--> ( 1 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 89 ، إرشاد الفحول 2 : 268 . ( 2 ) . شرح المعالم ( ابن التلمساني ) 2 : 470 . ( 3 ) . نفائس الأصول 9 : 4221 . ( 4 ) . الزمر : 18 . ( 5 ) . الزمر : 55 . ( 6 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 393 ، روضة الناظر : 85 . ( 7 ) . نظرية الاستحسان : 117 . ( 8 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 359 . ( 9 ) . البحر المحيط 6 : 94 . ( 10 ) . شرح المعالم ( ابن التلمساني ) 2 : 472 . ( 11 ) . أصول السرخسي 2 : 200 . ( 12 ) . انظر : المستصفى 1 : 255 ، روضة الناظر : 86 .